معركة جبل متين هي إحدى سلسلة معارك ثورة ايلول في جبل متين الذي يقع بالقرب من قضاء العمادية في عام 1963 بين قوات البيشمركة الكوردستانية والحكومة العراقية.
الظروف ما قبل المعركةبعد انقلاب البعثيين في 8 شباط 1963، أعلنت الثورة الكوردية بقيادة الملا مصطفى بارزاني هدنة، ولكن عندما رسخوا سلطتهم وقووا مواقعهم، بدأوا بمحاربة الكورد وثورتهم بالنار والحديد. في 10 حزيران 1963، أعلنت الحكومة العراقية الحرب ضد الشعب الكوردي، وكان الرئيس عبد السلام عارف مصراً على وضع كافة الإمكانيات الاقتصادية للبلد تحت تصرف الجيش بهدف القضاء على الثورة الكوردية. وفي سلسلة الهجمات والاعتداءات التي شنتها بقدراتها اللوجستية العسكرية الكبيرة وبدلالة ومساعدة الجحوش، وكذلك بدعم خارجي وإقليمي، خاصة بعد الاتفاق الثلاثي بين (العراق وسوريا ومصر) الذي تم في 17 نيسان 1963 للوحدة السياسية بين الدول الثلاث، نشأت وحدة عسكرية بين سوريا والعراق. وفي 8 أيلول 1963، شارك الجيش السوري لأول مرة جنباً إلى جنب مع الجيش العراقي في الحرب ضد كوردستان، حيث دخلت قوات اليرموك السورية بقيادة العقيد فهد الشاعر إلى داخل الأراضي العراقية، وكانت هذه القوة تتألف من لواء يضم حوالي 4000 عسكري. وبالإضافة إلى هذا الجيش، شارك خبراء حرب العصابات الجزائريون والطيارون اليمنيون الجنوبيون في المعركة، كما قام خبراء القوات الجوية من الهند وباكستان بأعمال المسح الأرضي من الجو لإنشاء خرائط (كنتورية) جديدة وتحديد الشعاب والوديان وقمم الجبال ومواقع القرى. كما أن دول الغرب مثل بريطانيا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا، والدول العربية مثل مصر والدول الإسلامية مثل باكستان وغيرها، كانت تقدم المساعدة والأسلحة للعراق جنباً إلى جنب مع الحكومة العراقية.
استعدادات البيشمركة
بدأت قيادة الثورة الكوردية في جميع أنحاء كوردستان بالاستعداد لمواجهة هجمات الحكومة والتطورات الجديدة، وقسمت جبهات القتال إلى 11 منطقة، وتم تعيين قائد لكل منطقة. بالنسبة لمنطقة بادينان بأكملها، تم تعيين أسعد خوشوي كقائد عام، وعيسى سوار كقائد لمنطقة زاخو، وبالنسبة لمنطقتي عقرة وشيخان تم تعيين حسو ميرخان دولمري، أما منطقة دهوك فقد أوكلت إلى علي خليل سبيردي.
جاء هذا الهجوم على جبل متين بعد أن واجه جيش وقوات الحكومة لفترة مقاومة شديدة من الثوار في جبل بيرس ومنطقة بارزان، حيث تمكنوا من الانتصار والسيطرة على المنطقة. وبهذه الطريقة، لم تنهِ الحكومة خطتها، بل واصلت هجماتها بقواتها من الجيش والمرتزقة وتوجهت نحو منطقة العمادية.
خطة و أهداف جيش العدوكان للحكومة هدفان في ذلك الهجوم العنيف: الأول هو السيطرة على وتدمير قواعد ومقر اللواء الأول الذي كان بقيادة أسعد خوشوي وكان مقره في قرية أدني بمنطقة برواري بالا. والثاني هو تطويق قوات البيشمركة في زاخو ودهوك. ولهذا الغرض، استعدت الحكومة العراقية للهجوم من أربع جبهات: الجبهة الأولى من (مطار بامرني - جبل متين - غرب منطقة برواري بالا). الجبهة الثانية من (مطار رأس بامرني) والتي كانت تعتبر أقوى جبهة، بهدف الوصول إلى قريتي دركلي وأردنا، حيث كانت أقرب طريق للوصول إلى قرية أدني. الجبهة الثالثة من (سرسنك - أردنا - قرية نافيلا - جبل متين - قرية شيلازا). أما الجبهة الأخيرة وهي الجبهة الرابعة فكانت من (العمادية - رأس العمادية وتشارشلي - ناحية كاني ماسي). وبالإضافة إلى ذلك الجيش الكبير للحكومة، وبدعم من أعداد كبيرة من جحوش الدوسكي والزيباري والشرفاني والريكاني والبامرني والإيزيديين والآشوريين الذين توزعوا على الجبهات الثلاث، وكان معظمهم موجهين نحو ناحية بامرني، في حين تم توجيه جحوش البريفكاني والسورجي والهركي والگوران نحو العمادية.
تقدمت قوات الحكومة العراقية بمساعدة جزء من ذلك الجيش السوري الذي أشرنا إليه سابقاً، في 20 آب 1963 نحو جبل متين، الذي يعد مفتاح منطقة بادينان في كوردستان.
في الجبهة الأولى وصلت قوات الحكومة إلى قرى دهي وبانكا وأرزي، لكنها لم تستطع الوصول إلى جبل متين بسبب مقاومة البيشمركة. وفي الجبهة الثانية، وبعد أسبوعين من القتال، تمكنوا من الوصول إلى قرية دركلي بعد أن تكبدوا خسائر بشرية كبيرة. وفي الجبهة الثالثة وصلوا إلى قرية شيلازا، وفي الجبهة الرابعة وصلوا إلى رأس العمادية. في الجبهتين الأولى والرابعة، لم تستطع القوات المهاجمة التقدم أكثر في منطقة برواري بالا، أما الجبهتان الثانية والثالثة فقد وصلتا إلى مرتفعات غابنيرك التي تقع في وسط منطقة برواري بالا بين قريتي رافينا وآسهي.
في تلك الحملة الكبيرة، لم يكن الجيش العراقي يتوقع في البداية مواجهة شديدة من الثوار، لذلك بدأوا الهجوم في الحملة الأولى دون الاستفادة من الطائرات والمدفعية، لكن قوات البيشمركة خاضت معركة حامية ومقاومة شديدة من الفجر حتى الظهر، وقُتل عدد كبير من الجنود والجحوش. وبعد ذلك الفشل غير المتوقع، بدأت حملتهم الثانية بقصف مكثف، وتعرضت جميع مواقع البيشمركة للقصف. وبالتزامن مع القصف المدفعي، استخدموا في مساء نفس اليوم قنابل محظورة (نابالم حارق) عبر الطائرات، ونتيجة لذلك احترق جزء من جسد بيشمركة يدعى يوسف محمود بيندرويي. وبعد ذلك القصف المكثف، بدأ الجيش والجحوش هجومهم بقدراتهم العسكرية الكبيرة، وفي الوقت نفسه، وبسبب عدم تكافؤ القوى بين الطرفين، اضطرت قوات البيشمركة إلى الانسحاب من قرية بامرني، وفي اليوم التالي أُحرقت القرية.
استمرت المعركة في تلك المنطقة 45 يوماً، وأبدى البيشمركة دفاعاً بطولياً لا يلين، وفي النهاية تمكنت قوات الحكومة من احتلال جبل متين، مما أدى إلى حدوث اضطراب في المنطقة وساد خوف شديد بين الناس. وبدأت الحكومة التركية بالاستعداد لمراقبة حدودها، خشية أن تهرب العائلات الكوردية إلى الجانب الآخر من الحدود خوفاً من الجيش العراقي. وتجدر الإشارة إلى أنه كان هناك تنسيق مسبق بين العراق وتركيا بهدف ضرب الثوار الكورد.
تجدر الإشارة إلى أن كلاً من الجيش العراقي والجيش السوري كانا يعاملان أهالي المنطقة معاملة سيئة في المعركة، وكانوا يحرقون وينهبون كل قرية يمرون بها، وخاصة القوات السورية التي كانت تجبر سكان القرى على حرق قراهم بأنفسهم، وهذا ما خلق رد فعل لدى أهالي معظم القرى، مما اضطرهم لترك قراهم والتوجه نحو المناطق المحررة الخاضعة لسلطة الثورة.
بعد احتلال جبل متين، عُقد اجتماع بين قادة قوات البيشمركة، وتقرر في الاجتماع إعادة تنظيم وتجميع قواتهم لشن هجوم عام لتحرير جبل متين، مهما كلف ذلك من تضحيات بشرية، حيث أقسم ٤٠٠ بيشمركة متطوع على تنظيف متين من العدو حتى لو كان ذلك بموتهم. وفي ليلة ٤ على ٥ من تشرين الأول ١٩٦٣، أصدر القائد عيسى سوار ومساعده علي هالو أمر بدء الحملة، ووقعت معركة شرسة وعنيفة بين الطرفين، استمرت المعركة حتى طلوع النهار وكانت نتيجتها هزيمة كاملة للقوات العراقية وتحرير جبل متين. تجدر الإشارة إلى أنه قبل بدء الهجوم، أرسل القائد الميداني للمعركة عيسى سوار برقية وقعت في يد الجيش العراقي، جاء فيها: "الليلة سنبدأ الهجوم بـ ١٠٠٠ مقاتل من عشيرة قشوري من شمال كوردستان، وقد أبلغناهم أن الرؤوس لنا والأموال لهم، ونحن أيضاً ١٠٠٠ بيشمركة، سنصبح ٢٠٠٠ بيشمركة"، وبذلك أصيب الجيش والجحوش بالانهيار المعنوي والارتباك. من الواضح أن هذه البرقية كانت تكتيكاً حربياً استخدمه القائد المذكور، وأصبحت دعامة للانتصار وهزيمة العدو.
تم تسجيل تلك الملحمة العظيمة بقيادة وإشراف أسعد خوشوي وعيسى سوار وعلي خليل سيلكي، وبمشاركة العديد من قادة السرايا والبيشمركة البارزين، منهم حاجي حيدر أرغوشي، سليمان حاجي بدريا، سعيد خليل سيلكي، تيمز سيلكي، هاشم ميروزي، ميكائيل سلام أرغوشي، سيد صالح، عريف درويش، حميد أرغوشي، نظمي شكري، علي صالح ماواتي، سليم ملا يحيى وخالد ديزويي، جميلة سور، هاشم طاهر أرغوشي، طه شاهين ماواتي وغيرهم الكثير. كما يجب الإشارة إلى أن الخسائر البشرية لقوات البيشمركة سجلت باستشهاد ٣٧ بيشمركة وجرح ٨٠ بيشمركة، منهم جميل توفيق بامەڕني المعروف بجميلة سور، ملا أنور مائي، محمد رشيد سندي، محمد عيسى سوار سيلكي، إسماعيل نيرويي، جوهر سيلكي، مصطفى سيلكي، باقي أحمد سليمان ميروزي، حاجي عيسى ميروزي، حسين كيستيي وغيرهم الكثير.
بلغت خسائر العدو ترك جثث ١١٣ قتيلاً بينهم جنود سوريون، أما بالنسبة لغنائم ثورة الكورد، فقد تم الاستيلاء على مدفعي جبل عيار ٧٥ ملم، مع ٤٠٠ بندقية و١٥ رشاشاً، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الذخيرة والمعدات العسكرية.
أدت نتيجة انتصار هذه الملحمة إلى رفع معنويات البيشمركة في جميع جبهات القتال، وبقي ذلك الجبل تحت سيطرة البيشمركة حتى عام ١٩٧٤.
المصادر:١- شيرزاد زكريا محمد، الحركة القومية الكوردية في كوردستان العراق 8 شباط 1963 – 17 تموز 1968، دار سبيريز للطباعة والنشر، دهوك، 2006، ص 147.
٢- روژين چلبي منير، زاخو 14 تموز 1958 – 6 آذار 1975، مركز زاخو للبحوث الكوردية، زاخو، 2018، ص 212 – 213.
٣- شوكت ملا اسماعيل حسن، أيام من تاريخ ثورة أيلول، الطبعة الثانية، مكتبة تفسير، أربيل، 2006، ص 168.
٤- مسعود بارزاني، بارزاني والحركة التحررية الكوردية، المجلد الثالث، الجزء الأول، مطبعة وزارة التربية، 2004، ص 116.
٥- هوژين مسعود سرني، ثورة أيلول في منطقة بهدينان 1961 – 1975، مركز زاخو للبحوث الكوردية، 2018، ص 118.
٦- رجب جميل حبيب، آميدي (العمادية) 1921 – 1975، مطبعة ههوار، دهوك، 2012، ص 260.
٧- أرشيف هيئة موسوعة الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
٨- د. عبدالفتاح علي البوتاني، منطقة بادينان 1925 – 1970 دراسة في الوقائع والتطورات السياسية، الجزء 2، مطبعة جامعة صلاح الدين، أربيل، ص 223.





